سيد محمد طنطاوي
351
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب أليه الجمهور قوله : * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) * أي فلما أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلى ، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا . وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله - تعالى - يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . . ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول ، وقد نزه اللَّه السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله اللَّه آية ، واللَّه على كل شيء قدير » « 1 » . وقال الشيخ القاسمي : وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « يا أيها الناس إنكم محشورون إلى اللَّه حفاة عراة غرلا » أي غير مختونين - ثم قال : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ . ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم : « ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ، فيقال لي : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم » « 2 » . وبعد أن أجاب عيسى على سؤال ربه تلك الإجابة الموفقة . فوض الأمر إليه - سبحانه - في شأن قومه . فقال - كما حكى القرآن عنه * ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . أي : إن تعذب - يا إلهي - قومي ، فإنك تعذب عبادك الذين خلقتهم بقدرتك ، والذين تملكهم ملكا تاما ، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بمملوكه . وإن تغفر لهم ، وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فذلك إليك وحدك ، لأن صفحك عمن تشاء من عبادك هو صفح القوى القاهر الغالب الذي لا يعجزه شيء . والذي يضع الأمور في مواضعها بمقتضى حكمته السامية وقد قال بعض المفسرين هنا : كيف جاز لعيسى أن يقول : * ( وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ) * واللَّه - تعالى - لا يغفر أن يشرك به ؟
--> ( 1 ) تفسير صفوة البيان لمعاني القرآن ص 213 لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 2223 .